الجمعة، 21 مارس 2014


قد لا يعرف الكثيرون من جيلي والجيل الذي قبله العلامة والداعية خادم السنة واللغة العربية : الحاج محمود باه عمر باه مؤسس هيئة مدارسالفلاح العربية الإسلامية ، وهو والد
المرحوم عبد الله محمود با مقدم النشرات في التلفزة الوطنية ولما قدمه هذا الرجل - الحاج محمود باه  - من خدمة جليلة للدين الإسلامي واللغة العربية في الكثير من بلدان إفريقيا وفي موريتانيا على وجه الخصوص فقد أسس هيئة مدار الفلاح العربية الإسلامية في موريتانيا منذ عام 1941 وهذا العلامة شاعر لم يسعفني الزمن للأسف ببعض شعره إلا بيتا واحدا سمعته في في مقابلة مع الشاعر الكبير : ناجي محمد الإماموالبيت من قصيدة قالها في مناسبة تأميم ( مي فارما ) وكان البيت يقول:
إن الحديد حديد بأسه قَمِنٌ ## بأن يصان وأن يمحى به العارُ
كان المرحوم : الحاج محمود باه عمر باه يدرس بمدارس الفلاح بمكة المكرمة فقد وصل إلى الحرم المكي  من بلاده موريتانيا مشياً على قدميه طالباً للعلم، بعد أن تعلم القرآن الكريم وحفظه وعمره عشرون عاماً، على شيخه الشيخ عمر داود جاه، في قرية تسمى ويدو بوسيابي، في إقليم ومقا بالسنغال، وتلقى هناك مبادئ علوم الفقه عليه، وبعد ذلك على شيخه عالم القراءات الشهير الشيخ عبد الرحمن التركزي.
قضى عامين في طريقه إلى مكة، ووصلها عام 1931م وعمره 23 عاماً، وفي مكة المكرمة احتضنه الشيخ علوي بن عباس المالكي، وأدخله المدرسة الصولتية، ثم مدرسة الفلاح، وأسكنه (الخلوة) التي كانت للسيد عباس المالكي، ثم لابنه علوي بن عباس المالكي، في رباط باب الدِّريبة بجوار الحرم، وفي حلقات التدريس بالحرم، وفي تلك الخلوة، طلب العلم عشر سنوات متوالية على السيد علوي المالكي.
altaltوفي عام 1941م 1361هـ حصل على شهادة التخرج من الفلاح، وسافر على قدميه عائداً إلى موريتانيا وهي بلاده، حيث استقبل من أهالي قريته (جاوول) استقبالاً حافلاً، وهناك أنشأ أول مدرسة فلاح في غرب أفريقيا، ثم واصل إنشاء مدارس فلاح أُخرى في المناطق والبلاد المجاورة، فتوجه إلى (داكار) عام 1945م وأقام أول مدرسة عربية في مدينة (كيرديفونس)، ثم توجه عام 1947م إلى مدينة (خاي) في (مالي)، وافتتح بها مدرسة كبيرة، استفاد منها طلاب مالي والبلاد المجاورة لها، وهي بلاد السنغال وموريتانيا وغينيا، وكل أنحاء غرب أفريقيا، وأطراف الصحراء الغربية، وواحاتها المتناثرة في بلاد السوس، وواصل الشيخ محمود في جميع تلك الديار رسالته العظيمة، وافتتح في عام 1957م – 1377هـ مدرسة في جمهورية غينيا، ثم توجه إلى الكاميرون وليبيريا عام 1959م، وأنشأ فيها أربع مدارس، في أربع مدن مختلفة من أصقاعها، وفي عام 1962م عاد إلى موريتانيا ليواصل رسالته العظيمة من هناك، وفي عام 1974م أرسلته بلاده إلى جمهورية الجابون للمساهمة في تعليم اللغة العربية، وهناك قام بافتتاح بضع مدارس أُخر، وزار الحاج محمود الحجاز مع وفد من أسرة مدارس الفلاح هناك، طالباً المساعدة والدعم بالمال والكتب من حكومة المملكة العربية السعودية،
يقول صديقه في الدراسة – عبد الله بلخير- كنت في ذلك الحين نائب رئيس ديوان الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله، ولا زلت أذكر لحظة لقائي به بعد فراقنا ثلاثين عاماً، فقد كنت في مكتبي بالديوان الملكي عندما قالوا لي: إن وفداً موريتانيّاً يطلب مقابلتي، فسمحت له ودخل الوفد يتقدمهم الحاج محمود، فلم أعرفه لأنني أذكره شاباً نحيلاً، وأراه أمامي وقد تقدم به العمر، وزاد طولاً وعرضاً، ولكنه عرفني منذ أول وهلة، فرفع عقيرته ببيت شعر لي كان يردده أيام الدراسة والزمالة معي في الفلاح، وفي حلقات الدرس في الحرم، فعرفته على الفور، وتأكدت من ذلك من وجهه، لأن إحدى عينيه كانت "كريمة"
وكان لقاؤنا مؤثراً بعد ثلاثين عاماً من الفراق، وجلسنا نتذكر أيام الدراسة بالحرم المكي، وفي الفلاح وفي الخلوة، واندفع يسألني عن الرفاق والإخوان والزملاء والأصدقاء، عن حال كل واحد منهم، وماذا فعلت به الدنيا؟!
وقدمته بعد ذلك للملك سعود رحمه الله فعرض طلباته، فاستجاب لها الملك بأريحية وكرم لم يتوقعه الحاج محمود. حتى إنه كان يتوقع أن يعود ببضع مئات من الكتب، فوجد نفسه يرجع إلى بلاده بحمولة كبيرة، شحنت في صناديق تزن أطناناً من الكتب، عن طريق البحر من جدّة إلى السنغال والدار البيضاء، ولقد أفاد الله بهذه الكتب والمصاحف في دعم المدارس الفلاحية التي أقامها الحاج محمود في غرب أفريقيا، وشجعته على بناء المزيد منها بعد توفر المال والكتب، وبهذا الفيض من العون أسس مدارس أُخَر.
وكان الحاج محمود، كثير السفر والحركة، لخدمة رسالته ونشر دعوته في بلاد المغرب الأقصى، وبذل جهوداً كبيرة لابتعاث خريجي مدارسه تلك بعد ذلك إلى المعاهد والجامعات الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي، لمواصلة تعليمهم، وخاصة إلى الأزهر الشريف، وإلى معاهد مكة المكرمة، وكان أصعب ما في ذلك ممانعة الاستعمار الفرنسي – الذي كان يحتل بلاد غرب أفريقيا يومئذ لذلك – ورَفْضه منح التسجيلات وجوازات السفر، الأمر الذي اضطره إلى تهريب تلاميذه بطرق شتَّى، ليوصلهم إلى الأزهر الشريف، وإلى الحرمين الشريفين، وكانت له ولطلابه حكايات لا تصدق في المغامرة، بتخطي حدود الأقطار المغربية نحو الشرق، إذ كانوا يتخفون ويهربون من مراكز الحدود الفرنسية سيراً على الأقدام أشهراً طويلة، بدون زاد ولا ماء، وهم فتيان صغار يقودهم أساتذتهم، ويعاونونهم في الفيافي والقفار، إلى مصر والسودان وتشاد وليبيا.
وفي عام 1978م – 1398هـ انتقل الحاج محمود باه عمر باه إلى رحمة الله، بعد أن أنشأ تسعة وتسعين مسجداً، وسبعاً وسبعين مدرسة عربية في معظم دول غرب أفريقيا، تديرها هيئة مركزية في موريتانيا، اسمها الهيئة الفلاحية لمحاربة الجهل ومحو الأمية، وأهدافها المعلنة هي:

-        نشر الدعوة الإسلامية في الأقطار الأفريقية،
-        تعليم الناس مبادئ الدين الحنيف وتعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم
-        تدريس السنة المحمدية
-        نشر اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) في غرب أفريقيا
غفر الله تعالى له، وأحسن ثوابه على جهاده الطويل العظيم لنشر الإسلام واللغة العربية في أفريقيا، فقد كان زعيماً مصلحاً، وداعياً إسلاميّاً نادر المثال بين دعاة الإسلام والمسلمين . وقد كان ذو صلابة في عقيدته الإسلامية وكفاحه وجهاده وشجاعته النادرة في مقارعة الاستعمار وحربه ومنازلته الفرق الضلالية التي تقوم باسم الإسلام  بما لا يقره الإسلام ولا يرضاه وله في ذلك المذهل والمعجب كان له صفات الدعاة من رعيل المسلمين الأوائل، مُشِعَّة في عزمه وحزمه وفي دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة
رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير.

سيداحمد محمد المختار حمنّـه : ( سيداحمد الشنقيطي )
المصدر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق